تسجيل الدخول

جامعة البترا والأنباط بقلم الأستاذ الدكتور: محمود السلمان

11/18/2019

 

Share
/Ar/News/PublishingImages/جامعة البترا والأنباط -دكتور محمود السلمان.jpg

/Ar/News/PublishingImages/جامعة البترا والأنباط -دكتور محمود السلمان.jpg
يقول عالم الآثار الكبير البروفيسور زيدون المحيسن: "إنّ الأنباط قدْ سحبوا المياه من وادي الدثنة في الشوبك"، وأنا أقول "إنّ جامعة البترا قدْ سحبت ما كان لدى الأنباط العرب من كتب ومعرفة وحضارة ورقيّ، ووضعتها هنا في جامعتنا في أطراف عمّان"، لذلك، كان لجامعة البترا من اسمها كلّ نصيب؛ فهنا يجلس الآنَ الأنباط الجدد، ويعلمون طلبتها ما قد علمه الأنباط للعالم أجمع من فنٍّ هندسي، وحساب، ولغات، وإدارة حياة، وأنواع الدواء.
عندما تدخل إلى جامعة البترا تشعر برقيّ المكان وروعة ساكنيه، من علماء وطلبة، وكأنّك تدخل مدينة الأنباط الجديدة؛ فثمّة ورود في كلّ مكان تبتسم لك، وثمّة نوافير مياه تتدفق من جديد، مثل التي كانت هناك في البتراء البعيدة، وثمّة علماء أجلاء يعملون دون كلل أوْ ملل، وثمّة صخور جميلة قدْ نحتها التاريخ البعيد وتركها هنا؛ لنأتي نحن ونبدأ من جديد، وثمّة عقل إداري، راقي الطبع، يدير الأمور وهو يتبسم، ويتركك براحتك تعمل لتصل إلى مبتغاك العلمي والبحثي، لتنشر من جديد أنباطنا الجدد.
حتى شوارعها الفسيحة تخبرك: يا أيّها القادم الجديد؛ إنّني هنا لأقوم بدورين: دوري الأساسي لتسير بالطريق، ودور آخرَ هو أنْ أشعرك بسهولة الطريق، وأمدّ يداي لك، وأرحب بك، وأقول لك: أنت في بيتك الجديد.
قبل أنْ آتي إلى المكان كنت أعتقد أنّ اسم "البترا" قد اختير صدفة، ولكنْ، بعد دخولي إليه، وبعد أنْ أصبحتُ جزءًا منه، وجدت أنّني وأنا فيه أسير في "السيق" (the siq)، وينتهي بي المطاف إلى أنّني أسير في مدرجها العريق ومكتبتها الجميلة، وأنّ "الخزنة" ليست مجرد شعار، بلْ هي المكان الحقيقي الذي ندخل فيه، ثمَّ نسير على طول جداول الماء - التي كانت قدْ جفت بعد أنْ قطعها الرومان- ثمّ بدأت تتدفق مِنْ جديد؛ فعاد علماؤها بيننا يشربون منها الماء، والأخلاق التي تحلّى بها الأنباط.
هنا في البترا الجديدة، نمت الأشجار على طول الطريق، وعادت المختبرات حقيقة لا مجرد آثار، عادت بثوبها الجديد، وعاد المحاضر يحاضر، والقاعات تعجّ بأجمل العلماء والتلاميذ.
وإنْ كان العلماء يتحدثون عن الأنباط في الماضي البعيد، ويستخدمون المصطلح بمعناه "الذكوريّ"، متناسين الدور الكبير المحتمل لكلّ نبطية عربية أصيلة في ذلك التاريخ، ففي البترا الجديدة يسير الاثنان "نبطي ونبطية" كعالم كبير وعالمة كبيرة على قدم وساق، لا فرق بينهما، كما أنه - وللأمانة التاريخية - لمْ يفرّق أجدادنا الأنباط بين ذكر وأنثى، فقد كان فيهم الملك (الحارث الرابع) مثلا، وأيضًا، كانت فيهم الملكة (شُقيلة)، كما يقول الأستاذ والدليل السياحي المحترف محمد الفرجات.
قبل آلاف السنين جاء الأنباط العرب إلى هنا، والتقوا واندمجوا في أكثر الطرق الحضارية حضارةً ورقيًّا مع إخوانهم العرب (الأدوميين)، وتفتّقت عَنْ ذلك أجمل حضارة عربية عرفها التاريخ، وما زلنا نتغنى بها بفخر، وهنا، في التاريخ الجديد، التقت في البترا الجديدة إدارة متحضرة راقية مع علماء كبار، وتفتق عن ذلك صرح جامعي جامع، وناجح، ومتألق، تمامًا كما كان النجاح وسرعة التقدم هناك.
في جامعة البترا ثمّة فوانيسُ علم مِنْ بقايا الزمن القديم العريق، ما زالت تضيء المكان، وفي هذا المكان ثمّة فرحة ما، لا تعرف مصدرها بالتحديد، فكلّ الأماكن التي تحيط بك ترسلها.
إنّ أجمل شعور وأنت فيها، هو أنّك بمكان جديد، حديث البناء، متجدد جميل، ولكنّ هذا الشعور الجميل يزينه الشعور الحقيقي، وهو أنّك بمكان ذي امتداد لحضارة تحبها، أبت هذه الجامعة العريقة إلا أنْ تحمل اسمها، وتسير بهذا الاسم الجميل، الموجود في وجدان كلّ عربي أصيل.
وفي سماء عمّان الجميلة الحديثة غدت جامعة البترا آخر الجدائل العربية النبطية الحقيقية، التي نراها كمَعْلَم حقيقيّ، في سياق علمي حقيقي، في متحف كبير اسمه "جامعة البترا".